الامارات

فلسفة بودريار بين التبادل الرمزي واستراحة ما بعد الحداثة

وقف تفكير الفيلسوف جان بودريار عند أحد المراحل في تقليد فرنسي في تمجيد الثقافة البدائية أو ما قبل الحداثة على العقلانية المجردة والنفعية في المجتمع الحديث، وهكذا فإنّ دفاعه عن التبادل الرمزي على الإنتاج والعقلانية الأداتية يقف في تقليد دفاع روسو عن الهمجي الطبيعي على الإنسان الحديث، والتضامن الميكانيكي الذي طرحه دوركهايم لمجتمعات ما قبل الحداثة ضد الفردية المجردة وشذوذ المجتمعات الحديثة، وتثمين باتاي لإنفاق مجتمعات ما قبل الحداثة أو افتتان موس أو ليفي شتراوس بثراء المجتمعات البدائية أو العقل الهمجي.

فلسفة بودريار في التبادل الرمزي وما قبل الحداثة:

بعد تفكيك المفكرين الرئيسيين المعاصرين وآباءه النظريين (ماركس وفرويد وسوسور ومعاصريه الفرنسيين) لفقدانهم ثراء التبادل الرمزي، ويواصل بودريار دعم الأشكال الرمزية والراديكالية للفكر والكتابة في مهمة تأخذه إلى خطاب مقصور على فئة معينة وغريبة أكثر من أي وقت مضى.

وهكذا ضد الأشكال المنظمة للفكر الحديث والمجتمع الحديث يؤيد بودريار التبادل الرمزي كبديل، وضد المطالب الحديثة لإنتاج القيمة والمعنى دعا إلى إبادتهم وإبادتهم، مقدمًا كأمثلة تبادل هدايا موس الجناس الناقصة لسوسور ومفهوم فرويد عن دافع الموت، ففي كل هذه الحالات هناك قطيعة مع أشكال التبادل (للسلع والمعاني والطاقات الليبيدية) وبالتالي هناك هروب من أشكال الإنتاج والرأسمالية والعقلانية والمعنى.

يمكن تفسير مفهوم بودريار المتناقض للتبادل الرمزي على أنّه تعبير عن الرغبة في تحرير نفسه من المواقف الحديثة والسعي إلى موقف ثوري خارج المجتمع الحديث، وضد القيم الحديثة التي يدعو إلى فنائهم وإبادتهم.

الفجوة بين ما قبل الحداثة والمجتمع الحديث:

في السبعينيات من القرن الماضي يفترض بودريار أنّ هناك فجوة أخرى في التاريخ جذرية مثل القطيعة بين المجتمعات الرمزية ما قبل الحداثة والمجتمعات الحديثة، وفي نمط النظرية الاجتماعية الكلاسيكية يطوّر بشكل منهجي الفروق بين مجتمعات ما قبل الحداثة المنظمة حول التبادل الرمزي والمجتمعات الحديثة المنظمة حول الإنتاج، ومجتمعات ما بعد الحداثة المنظمة حول المحاكاة التي يقصد بها الأنماط الثقافية للتمثيل التي تحاكي الواقع كما في التلفزيون والفضاء الإلكتروني للكمبيوتر والواقع الافتراضي.

إنّ تمييز بودريار بين نمط الإنتاج والمنفعة التي نظمت المجتمعات الحديثة وأسلوب المحاكاة الذي يعتقد أنّه الشكل التنظيمي لمجتمعات ما بعد الحداثة، يفترض وجود قطيعة بين المجتمعات الحديثة وما بعد الحداثة بقدر الانقسام بين المجتمعات الحديثة وما قبل الحداثة، ففي تنظيره لقطع ما بعد الحداثة مع الحداثة يعلن (نهاية الاقتصاد السياسي) وهو عصر كان فيه الإنتاج هو الشكل المنظم للمجتمع.

بعد ماركس يجادل بأنّ هذه الحقبة الحديثة كانت عصر الرأسمالية والبرجوازية، حيث تم استغلال العمال من قبل رأس المال وقدمت قوة ثورية للاضطراب، ومع ذلك أعلن بودريار نهاية الاقتصاد السياسي وبالتالي نهاية الإشكالية الماركسية والحداثة نفسها.

يشير خطاب (النهاية) إلى إعلانه عن انقطاع أو تمزق في التاريخ ما بعد الحداثة، حيث يدّعي بودريار أنّ الناس الآن في عصر جديد من المحاكاة حيث يحل التكاثر الاجتماعي (معالجة المعلومات والاتصالات وصناعات المعرفة وما إلى ذلك) محل الإنتاج باعتباره الشكل المنظم للمجتمع، وفي هذا العصر لم يعد العمل قوة إنتاج ولكنه في حد ذاته علامة واحدة من بين العديد، والعمل ليس منتجًا بشكل أساسي في هذه الحالة، ولكنه علامة على الوضع الاجتماعي للفرد وطريقة حياته ونمط العبودية.

كما أنّه لا تحمل الأجور أيضًا أي علاقة عقلانية بعمل الفرد وما ينتجه الفرد إلّا بمكانته داخل النظام، ولكن بشكل حاسم لم يعد الاقتصاد السياسي هو الأساس، أو المحدد الاجتماعي أو حتى الواقع البنيوي الذي يمكن من خلاله تفسير الظواهر الأخرى وشرحها، وبدلاً من ذلك يعيش الناس في الواقعية الفائقة للمحاكاة حيث تحل الصور والنظارات ولعب الإشارات محل مفاهيم الإنتاج والصراع الطبقي كمكونات رئيسية للمجتمعات المعاصرة.

من الآن فصاعدًا يختفي رأس المال والاقتصاد السياسي من قصة بودريار، أو يعودان بأشكال جديدة تمامًا، وكذلك من الآن فصاعدًا تتكاثر العلامات والأكواد وتنتج علامات أخرى وآلات إشارات جديدة في دورات دائمة التوسع والمتصاعدة، وهكذا تحل التكنولوجيا محل رأس المال في هذه القصة، وتحل علم شبه اللغة (التي فسرها بودريار على أنّها تكاثر للصور والمعلومات والعلامات) محل الإنتاج، وبالتالي فإنّ دوره ما بعد الحداثي مرتبط بشكل من أشكال الحتمية التكنولوجية ورفض الاقتصاد السياسي كمبدأ توضيحي مفيد، وهي خطوة يرفضها العديد من منتقديه.

فلسفة بودريار في المحاكاة وما بعد الحداثة:

يوضح التبادل الرمزي والموت والدراسات اللاحقة في المحاكاة والصور (Simulation and Simulacra)، وهو مبدأ القطيعة الجوهرية بين المجتمعات الحديثة وما بعد الحداثة، والتي تمثل خروج بودريار عن إشكالية النظرية الاجتماعية الحديثة، فبالنسبة له يتم تنظيم المجتمعات الحديثة حول إنتاج واستهلاك السلع، بينما يتم تنظيم مجتمعات ما بعد الحداثة حول المحاكاة ولعب الصور والعلامات، مما يدل على حالة تكون فيها الرموز والنماذج والعلامات هي الأشكال المنظمة لنظام اجتماعي جديد حيث قواعد المحاكاة.

في مجتمع المحاكاة تُبنى الهويات من خلال تخصيص الصور، وتحدد الرموز والنماذج كيف يدرك الأفراد أنفسهم ويتواصلون مع الآخرين، ويخضع الاقتصاد والسياسة والحياة الاجتماعية والثقافة لنمط المحاكاة، حيث تحدد الرموز والنماذج كيفية استهلاك السلع واستخدامها، وتكشف السياسة وإنتاج الثقافة واستهلاكها وعيش الحياة اليومية.

إنّ عالم ما بعد الحداثة لبودريار هو أيضًا عالم تفقد فيه الحدود والتمييزات المهمة سابقًا -مثل تلك بين الطبقات الاجتماعية والجنس والميول السياسية وعوالم المجتمع والثقافة المستقلة ذات مرة- سلطتها، فإذا كانت المجتمعات الحديثة بالنسبة للنظرية الاجتماعية الكلاسيكية تتميز بالتمايز، فبالنسبة لبودريار تتميز مجتمعات ما بعد الحداثة بعدم التمايز أو انهيار (قوة) التمييز أو الانهيار الداخلي، وفي مجتمعه من المحاكاة تنفجر عوالم الاقتصاد والسياسة والثقافة والجنس والمجتمع على بعضها البعض.

في هذا المزيج المتفجر يتشكل الاقتصاد بشكل أساسي من خلال الثقافة والسياسة والمجالات الأخرى، بينما الفن الذي كان يومًا مجالًا للاختلاف المحتمل والمعارضة، يتم امتصاصه في الاقتصاد والسياسة بينما الجنس في كل مكان، وفي هذه الحالة تنفجر الفروق بين الأفراد والجماعات في تحور سريع أو متغير للانحلال الاجتماعي والحدود والهياكل السابقة التي رُكز عليها النظرية الاجتماعية ذات مرة.

بالإضافة إلى ذلك فإنّ عالم ما بعد الحداثي الخاص به هو أحد الواقعية الفائقة حيث توفر تقنيات الترفيه والمعلومات والاتصالات تجارب أكثر كثافة وإشراكًا من مشاهد الحياة اليومية العادية، فضلاً عن الرموز والنماذج التي تنظم الحياة اليومية.

إنّ عالم الواقعية الفائقة (على سبيل المثال محاكاة الوسائط للواقع وديزني لاند والمتنزهات الترفيهية ومراكز التسوق وأراضي الخيال للمستهلكين والرياضات التليفزيونية وألعاب الواقع الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي والرحلات الأخرى إلى عوالم مثالية) هو أكثر واقعية من الواقع، حيث النماذج تتحكم الصور والشفرات الخاصة بالواقعية الفائقة في الفكر والسلوك، ومع ذلك فإنّ التحديد بحد ذاته متكرر في عالم غير خطي حيث من المستحيل رسم آليات سببية في موقف يواجه فيه الأفراد تدفقًا هائلاً للصور والأكواد والنماذج، والتي قد يشكل أي منها فكر الفرد أو سلوكه.

في عالم ما بعد الحداثة هذا يفر الأفراد من صحراء الواقع بحثًا عن نشوات الواقعية الفائقة والعالم الجديد للكمبيوتر والوسائط والتجربة التكنولوجية، وفي هذا الكون تكون الذاتية مجزأة ومفقودة، ويبدو أنّ مجالًا جديدًا من الخبرة يبدو أنّه بالنسبة لبودريار يجعل النظريات الاجتماعية والسياسات السابقة قديمة وغير ذات صلة.

بتتبع تقلبات الموضوع في مجتمع اليوم يدّعي بودريار أنّ الموضوعات المعاصرة لم تعد تعاني من أمراض حديثة مثل الهستيريا أو جنون العظمة، وبدلًا من ذلك هم يعيشون في حالة من الرعب التي هي سمة من سمات الفصام، والإفراط في القرب من كل الأشياء، والاختلاطات الكريهة لكل الأشياء التي تحاصره وتخترقه، والاجتماع بلا مقاومة ولا هالة ولا هواء ولا حتى هواء جسده يحميه، وعلى الرغم من ذلك فإنّ الفصام منفتح على كل شيء ويعيش في أقصى درجات الارتباك.

بالنسبة إلى بودريار تعني (نشوة الاتصال) أنّ الموضوع قريب جدًا من الصور والمعلومات اللحظية في عالم شديد التعريض والشفافية، وفي هذه الحالة تصبح شاشة نقية وذات سطح يقوم بامتصاص، وإعادة امتصاص نقي للشبكات المؤثرة، وبعبارة أخرى يصبح الفرد في عالم ما بعد الحداثة مجرد كيان يتأثر بالوسائط والخبرة التكنولوجية والواقعية الفائقة.

السابق
قصة قصيدة أنا الأسد الرهيص فمن يسلني
التالي
قصة قصيدة بي اليأس أو داء الهيام شربته

اترك تعليقاً