الامارات

فلسفة بودريار من باتافيزيقا إلى الميتافيزيقيا وانتصار الكائن

يتحدى فكر الفيلسوف جان بودريار من منتصف السبعينيات حتى وفاته عام 2007 النظريات في مجموعة متنوعة من التخصصات، فخلال الثمانينيات تُرجمت أعماله الرئيسية في السبعينيات إلى العديد من اللغات، وترجمت الكتب الجديدة في الثمانينيات بدورها إلى اللغة الإنجليزية واللغات الرئيسية الأخرى في وقت قصير، ولذلك أصبح ذائع الصيت عالميًا باعتباره أحد مفكري ما بعد الحداثة تأثيرًا، وأصبح أحد المشاهير الأكاديميين فيسافر حول العالم للترويج لعمله وفاز بمتابعين مهمين، وبالرغم من أنّ هذا الرواج يقع خارج مجال النظرية الأكاديمية أكثر من تخصصه في علم الاجتماع.

فلسفة بودريار في مفهوم الإغراء:

في نفس الوقت الذي كانت فيه أعماله تحظى بشعبية كبيرة فقد أصبحت كتابات بودريار صعبة وغامضة بشكل متزايد، وفي عام 1979 نشر كتاب الإغراء (Seduction) وهو نص صعب يمثل تحولًا كبيرًا في فكره، كما يمثل الكتاب تحولًا بعيدًا عن الخطاب الاجتماعي لأعماله السابقة إلى خطاب أكثر فلسفية وأدبية، فبينما في عمله الذي حمل عنوان التبادل الرمزي والموت رسم بودريار وجهات النظر الثورية الفائقة كبديل جذري، واعتبر التبادل الرمزي مثاليًا له، حيث إنّه يتخذ الآن الإغراء كبديل للإنتاج والتفاعل التواصلي.

ومع ذلك فإنّ الإغراء لا يقوض أو يفسد أو يحول العلاقات أو المؤسسات الاجتماعية القائمة، ولكنه بديل ناعم ولعبة بالمظاهر ولعبة مع النسوية وهو استفزاز أثار استجابة نقدية حادة، حيث أنّ مفهوم بودريار للإغراء فريد من نوعه وينطوي على ألعاب ذات إشارات تجعل الإغراء أمرًا من العلامات والطقوس الأرستقراطية، وذلك على النقيض من المثل الأعلى البرجوازية للإنتاج، بينما يدافع عن الحيلة والمظهر واللعب والتحدي ضد عمل الإنتاج الجاد المميت.

يفسر الإغراء في المقام الأول على أنّه طقوس ولعبة لها قواعدها وسحرها وشراكها وإغراءاتها، ثم تتحول كتاباته في هذه المرحلة إلى جمالية أرستقراطية جديدة مكرسة لأنماط منمنمة من الفكر والكتابة، والتي تقدم مجموعة من الفئات -القابلية للانعكاس والتحدي والمبارزة- التي تحرك فكر بودريار نحو شكل من الجمالية الأرستقراطية والميتافيزيقيا.

ميتافيزيقية بودريار:

تتجلى تكهنات بودريار الميتافيزيقية المنتشرة في الاستراتيجيات القاتلة وهي نقطة تحول أخرى في حياته المهنية، حيث قدّم هذا النص سيناريو ميتافيزيقيًا غريبًا يتعلق بانتصار الأشياء على الموضوعات ضمن الانتشار الفاحش لعالم كائن خارج نطاق السيطرة تمامًا، لدرجة أنّه يفوق كل محاولات فهمه وتصوره والتحكم فيه، كما يتعلق السيناريو الخاص به بتكاثر الأشياء وتفوقها المتزايد على الموضوعات وانتصار الكائن في نهاية المطاف.

في مناقشة حول النشوة والقصور الذاتي يناقش بودريار كيف أنّ الأشياء والأحداث في المجتمع المعاصر تتفوق باستمرار على نفسها وتنمو وتتوسع في القوة، كما إنّ نشوة الأشياء هو انتشارها الكبير وتوسعها، فالنشوة مثل الخروج من الذات أو ما هو أبعد من ذلك، أي الجمال أكثر جمالًا من الجمال في الموضة، والحقيقي أكثر من الواقع في التلفزيون، والجنس أكثر جنسية من الجنس في المواد الإباحية.

وبالتالي فإنّ النشوة هي شكل من أشكال الفحش (وهذا واضح تمامًا لا شيء مخفي)، والواقعية الفائقة التي وصفها بودريار سابقًا والتي تم نقلها إلى مستوى آخر ومضاعفة وتكثيفها، حيث تُظهر رؤيته للمجتمع المعاصر ميلًا للنمو والإفراط (croissance et excroissance)، وتوسيع وإفراز المزيد من السلع أو الخدمات أو المعلومات أو الرسائل أو المطالب، متجاوزًا بذلك جميع الغايات والحدود العقلانية في دوامة من النمو والتكرار غير المنضبط.

ومع ذلك فقد وصل النمو والتسارع والانتشار إلى هذه الحدود القصوى، كما يشير بودريار إلى أنّ نشوة الزائدة (أي زيادة عدد السلع) مصحوبة بالقصور الذاتي، بحيث تقدم عملية النمو كارثة للموضوع لأنّ تسارع وتكاثر عالم الشيء لا يزيدان فقط من البعد التنازلي للمصادفة وعدم الحتمية، ولكن الأشياء نفسها تهيمن على الموضوع المنهك الذي يتحول افتتانه بلعب الأشياء إلى لامبالاة وذهول وقصور ذاتي.

فلسفة بودريار في انتصار الكائن:

في الماضي كانت القوة المتزايدة لعالم الأشياء على الموضوع هي موضوع بودريار منذ البداية مما يشير إلى استمرارية أساسية في مشروعه، وفي كتاباته المبكرة استكشف الطرق التي كانت السلع تجذب الأفراد في المجتمع الاستهلاكي، والطرق التي كان عالم السلع يكتسب فيها قيمة جديدة وأكثر من خلال وكالة قيمة الإشارة والرمز، والتي كانت جزءًا من عالم الأشياء ونظام الأشياء.

كانت جدالاته ضد الماركسية مدفوعة بالاعتقاد بأنّ قيمة الإشارة والمدونة كانت أكثر جوهرية من العناصر التقليدية للاقتصاد السياسي، مثل قيمة التبادل وقيمة الاستخدام والإنتاج وما إلى ذلك في تشكيل المجتمع المعاصر.

بعد ذلك دخلت الانعكاسات على وسائل الإعلام في طليعة فكره، أي كان الكائن التلفزيوني في قلب المنزل في تفكير بودريار السابق، ووصلت وسائل الإعلام والمحاكاة والواقعية الفائقة كما أدى الانفجار الداخلي في النهاية إلى طمس الفروق بين وسائل الإعلام الخاصة والعامة في الداخل والخارج والإعلام والواقع، ومن الآن فصاعدًا كان كل شيء عامًا وشفافًا وواقعيًا للغاية في عالم الكائن الذي كان يكتسب سحرًا وإغراءً مع مرور السنين.

في الاستراتيجيات القاتلة والكتابات اللاحقة يهيمن الكائن على الموضوع أو يهزمه، وتشير الاستراتيجيات القاتلة إلى أنّه يجب على الأفراد ببساطة الخضوع لاستراتيجيات وحيل الأشياء، وفي الاستراتيجيات المبتذلة تعتقد الذات أنّها دائمًا أكثر ذكاءً من الموضوع، بينما في الاستراتيجيات القاتلة الأخرى ويُفترض دائمًا أن يكون الكائن أكثر ذكاءً وأكثر سخرية وذكاءً من الذات.

في السابق في الاستراتيجيات المبتذلة كان الموضوع يعتقد أنّه أكثر إتقانًا وسيادة من الكائن، على النقيض من ذلك فإنّ الإستراتيجية القاتلة تعترف بسيادة الكائن وبالتالي تأخذ جانب الكائن وتستسلم لاستراتيجياته وحيله وقواعده.

في هذه الأعمال يبدو أنّ بودريار يأخذ نظريته إلى عالم الميتافيزيقيا، لكنه نوع محدد من الميتافيزيقيا مستوحى بعمق من الأبجديات التي طورها ألفريد جاري (Alfred Jarry)، جاري يوضح باتافيزيقا هي علم العالم الذي يتجاوز الميتافيزيقيا، وسوف يدرس القوانين التي تحكم الاستثناءات وسوف يشرح الكون المكمل لهذا، أو بشكل أقل طموحًا سيصف الكون الذي يمكن للمرء أن يراه -ربما يجب أن يراه- بدلاً من الكون التقليدي، وهذا التعريف يعني باتافيزيقا هي علم الحلول التخيلية، الذي ينسب رمزياً خصائص الأشياء الموصوفة في افتراضيتها إلى خصائصها.

مثل الكون في مسرحية يوبو روي (Ubu Roi) لجاري وإيماءات وآراء دكتور فاوستروول، ونصوص أدبية أخرى -وكذلك في تفسيرات جاري الأكثر نظرية للبطانيات- ويعد عالم بودريار عالمًا سخيفًا تمامًا حيث تحكم الأشياء بطرق غامضة، ويخضع الأشخاص والأحداث لترابطات وأقدار سخيفة وغير معروفة في نهاية المطاف (يعد الكاتب المسرحي الفرنسي يوجين أيونسكو مصدرًا جيدًا آخر للدخول إلى هذا الكون)، ومثل عالم باتافيزيقيا جاري فإن عالم بودريار محكوم بالمفاجأة والانعكاس والهلوسة والتجديف والفحش والرغبة في الصدمة والغضب.

وهكذا في ضوء السيادة المتزايدة للشيء يريدنا بودريار أن نتخلى عن الذات وأن ننحاز إلى الموضوع، وإذا وضعنا الآيات فيزيائية جانبًا فيبدو أنّ بودريار يحاول إنهاء فلسفة الذاتية التي سيطرت على الفكر الفرنسي منذ ديكارت من خلال الانتقال تمامًا إلى الجانب الآخر، فعبقرية ديكارت يمتاز بعبقريته الشريرة، حيث كان خدعة للموضوع الذي حاول إغرائه بقبول ما لم يكن واضحًا ومميزًا، ولكن كان قادرًا في النهاية على التغلب عليه.

العبقرية الشريرة لبودريار هي الشيء نفسه الذي هو أسوأ بكثير من مجرد الخداع المعرفي للذات التي يواجهها ديكارت والتي تشكل مصيرًا قاتلًا يتطلب نهاية فلسفة الذاتية، ومن الآن فصاعدًا بالنسبة إلى بودريار يعيش الناس في عصر حكم الكائن.

السابق
ما هي قواعد الكتابة الإذاعية والتحديات التي واجهتها
التالي
مميزات تحليل السلوك التطبيقي في علم النفس

اترك تعليقاً